عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
498
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في تفسير « سفه نفسه » ] روي أن عبد اللّه بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما : إن اللّه - تعالى - قال في التوراة : إني باعث من ولد إسماعيل نبيّا اسمه أحمد ، فمن آمن به فقد اهتدى ، ومن لم يؤمن به فهو ملعون ، وأسلم سلمة ، ومهاجر أبى أن يسلم ، فنزلت هذه الآية الكريمة . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « إلّا من سفه نفسه » خسر نفسه . وقال الكلبي : « ضلّ من قتل نفسه » . وقال أبو البقاء ، وأبو عبيدة : « أهلك نفسه » . وقال ابن كيسان والزجاج : « جهل نفسه » ؛ لأنه لم يعرف اللّه - تعالى - خالقها ، وقد جاء « من عرف نفسه عرف ربّه » . وقال ابن بحر : معناه جهل نفسه ، وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء ، فيعلم به توحيد اللّه وقدرته . وهذا معنى قول الزجاج رحمه اللّه تعالى : لا يفكّر في نفسه من بيدين يبطش بهما ، ورجلين يمشي عليهما ، وعينين يبصر بهما ، وأذنين يسمع بهما ، ولسان ينطق به ، وأضراس نبتت له عند غناه عن الرضاع ، وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ، ومعدة أعدّت لطبخ الغذاء ، وكبد يصعد إليها صفوه ، وعروق ينفذ بها إلى الأطراف ، وأمعاء يرتكز إليها نقل الغذاء ، فيبرز من أسفل البدن ، فيستدل بها على أن له خالقا قادرا عليما حكيما وهذا معنى قوله تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . قوله : « وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا » اخترناه من سائر الخلق في الدنيا ، وإنّه في الآخرة عظيم المنزلة . [ قال الحسين بن فضيل : فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى . وقال الحسن : من الذين يستحقون الكرامة وحسن الثواب ] « 1 » . قوله : « فِي الْآخِرَةِ » فيه خمسة أوجه : أحدها : أنه متعلّق بالصالحين على أن الألف واللام للتعريف ، وليست موصولة . الثاني : أنه متعلّقة بمحذوف تقديره أعني في الآخرة كقولك : بعد سقياه . الثالث : يتعلق بمحذوف أيضا ، لكن من جنس الملفوظ به أي : وإنه لصالح في الآخرة لمن الصالحين .
--> ( 1 ) سقط في ب .